كتب : رشا حجاج
منذ إطلاق تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT في أواخر 2022، لم يعد الجدل يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير مستقبل العمل، بل عن مدى سرعة هذا التغيير، ومن سينجو من عواقبه، فبينما يرى البعض فيه محركًا للإنتاجية وتحسين الأداء، يرى آخرون أنه ناقوس خطر يهدد الملايين من الوظائف.
من 25 دقيقة إلى 10 فقط.. كيف غيّرت الروبوتات مشهد العمل؟
أحدث الأمثلة على هذا التحول ظهرت في شركة “أوكادو” البريطانية، التي كشف مديرها التنفيذي “تيم ستاينر” عن أن تطور الذكاء الاصطناعي والروبوتات سمح للشركة بتنفيذ طلبات البقالة التي تحتوي على 50 سلعة في 10 دقائق فقط بدلاً من 25 دقيقة عام 2012. هذه الكفاءة غير المسبوقة مكّنت الشركة من الاستغناء عن 500 موظف هذا العام، بعد أن أعلنت سابقًا عن خطر تسريح 2,300 موظف.
هذه الأرقام تعكس أكثر من مجرد “تحسين في الأداء”، بل تشير إلى إعادة صياغة معادلة العمل برمتها.
من الدمج إلى الإلغاء.. قرارات الشركات تحت المجهر
لم تعد شركات التكنولوجيا وحدها من تقود موجة التحول، بل دخلت شركات كبرى من قطاعات متنوعة على خط التغيير.
-
موديرنا، الشركة الصيدلانية، دمجت إدارة الموارد البشرية مع التكنولوجيا، ما يعكس ميلاً واضحًا نحو الأتمتة.
-
كلارنا وآي بي إم استخدمتا أدوات ذكاء اصطناعي لتقليص مئات الوظائف، رغم اعتراف كلارنا لاحقًا بتأثير ذلك على جودة الخدمة.
وفي المقابل، تتخذ شركات أخرى نهجًا أكثر تدرجًا، وتقول “ميغان بورنيت”، المديرة المالية لشركة “شرودرز”:
“الذكاء الاصطناعي لن يُحدث ثورة بين عشية وضحاها، بل سيعيد تشكيل القوى العاملة خلال 5 إلى 10 سنوات”.
“اضطراب وليس استبدال”.. جدل المفاهيم مستمر
توضح “كارين كيمبرو”، كبيرة الاقتصاديين في LinkedIn، أن ما نشهده ليس بالضرورة استبدالًا للبشر، بل “اضطرابًا لوظائفهم”، حيث باتت بعض المهام قابلة للتنفيذ آليًا، مما يدفع الموظفين للتركيز على المهارات البشرية التي لا يمكن تقليدها بسهولة.
ويرى “بيتر تشيز”، مدير معهد CIPD البريطاني للموارد البشرية، أن الذكاء الاصطناعي “قد يغيّر كل وظيفة تقريبًا”، لكنه لا يلغي ضرورة الدور البشري، لا سيما في الأعمال التي تتطلب حكمًا بشريًا وتفاعلًا عاطفيًا.
القطاعات ليست سواسية.. تفاوت في التأثير وسرعة التبني
يختلف وقع الذكاء الاصطناعي بين قطاع وآخر.
-
في الصناعات التقنية والمالية، يتسارع الدمج بفعل البيانات الضخمة والتحليلات التنبؤية.
-
أما في الوظائف التي تعتمد على التفاعل البشري الحساس، مثل مراقبة الحركة الجوية أو تشغيل البنية التحتية، فلا تزال الحاجة إلى البشر جوهرية.
يقول “مايك كلانسي”، الأمين العام لنقابة “بروسبكت”:
“العنصر البشري سيظل ضروريًا لصمود الأنظمة، حتى مع دخول الذكاء الاصطناعي.”
أما في القطاعات القائمة على النصوص مثل المحاماة وخدمة العملاء، فيُتوقع أن تشهد “تحولًا دراماتيكيًا” في المدى القريب.
الشركات تنقسم.. بين من يقود الموجة ومن يلهث خلفها
يؤكد “جيمس ميليغان”، مدير التوظيف في Hays، أن العديد من الشركات التقليدية تتأخر في مواكبة الذكاء الاصطناعي، بسبب مخاوف تتعلق بالحوكمة، الخصوصية، وضعف البنية التحتية الرقمية.
وعلى النقيض، تبرز شركات مثل “أوكادو”، التي تضع استراتيجية طويلة الأمد لتقليص الاعتماد على اليد العاملة عبر الروبوتات، رغم الجدل الذي يحيط بهذه التحركات.
أين تقف المهارات في هذه المعادلة المتغيرة؟
تشير بيانات LinkedIn إلى زيادة لافتة في الطلب على وظائف مثل:
-
مهندس تعليمات توجيهية (Prompt Engineer)
-
رئيس قسم الذكاء الاصطناعي
-
مهندس أخلاقيات واستخدام مسؤول للذكاء الاصطناعي
ووفقًا لتقرير حديث من PwC، فإن المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت أعلى أجرًا بنسبة 56% في عام 2024، مقارنة بـ25% فقط في 2023.
لكن هذا التحول لا يخلو من تعقيدات:
-
تنمو المهارات المطلوبة في الوظائف المعرضة للذكاء الاصطناعي بسرعة أعلى بنسبة 66%.
-
النساء يشكلن نسبة أكبر من العاملين في وظائف مهددة بالذكاء الاصطناعي.
-
النمو في توظيف هذه الوظائف تباطأ إلى 38% مقابل 65% للوظائف الأقل تعرضًا.
ما الذي يحمله المستقبل؟ اقتصاد بسرعتين
تحذّر “كلوديا هاريس”، الرئيسة التنفيذية لمنصة Makers، من انقسام سوق العمل إلى اقتصاد “ذو سرعتين”:
-
شركات تدمج الذكاء الاصطناعي وتُطور موظفيها
-
وأخرى تفشل في اللحاق بالركب
وتؤكد:
“الأمر لم يعد مرتبطًا بقطاع معين، بل بثقافة الشركة وقدرتها على التكيّف.”
هل من فرصة وسط العاصفة؟
رغم كل المخاوف، يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي فرصة لا تُقدّر بثمن، خصوصًا للشباب ورواد الأعمال. ففي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي تنفيذ تقارير، تحليل بيانات، وكتابة أكواد برمجية، بات بإمكان الأفراد إنجاز ما كان يتطلب فريقًا كاملاً، مما يفتح الباب لريادة أعمال فردية.
فالذكاء الاصطناعي لا “يأخذ” الوظائف فقط، بل “يعيد تعريفها”. وتبقى المسألة مرتبطة بمن يستطيع الاستعداد والتكيّف، سواء كان موظفًا أو مؤسسة.
السؤال الحقيقي لم يعد:
“هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي على عملي؟”
بل:
“كيف أستعد ليكون شريكًا لي، لا بديلًا عني؟”

