كتب : رشا حجاج
في مشهدٍ يختزل المعاناة والصبر، تتصدر الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار صفحات التأثر والإلهام، بعدما فقدت زوجها وأبناءها التسعة خلال العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، لكنها لم تتوقف عن أداء رسالتها النبيلة في مداواة الجرحى وإنقاذ الأرواح.
آلاء، التي كانت تعمل في أحد المستشفيات الميدانية شمال القطاع، فقدت كل أفراد أسرتها دفعة واحدة. استشهد زوجها وأبناؤها التسعة تحت الأنقاض، لكنها تماسكت، واحتسبتهم “شفعاء لها في الجنة”، كما صرّحت وهي تقف بثوبها الطبي تواصل العمل وكأنها تتحدى الموت نفسه.
“أحتسبهم عند الله وأكمل طريقي”
في لقاء مصوّر بثته وسائل إعلام فلسطينية، ظهرت آلاء بهدوء لافت، تقول كلماتها بينما الدموع تحبسها المهنة، لا الضعف:
“أحتسب أولادي وزوجي عند الله، وأكمل طريقي كطبيبة في خدمة شعبي… هؤلاء أبنائي، ومرضاي الآن أبنائي أيضًا.”
لم تكتفِ بالعمل الطبي فقط، بل بقيت بجوار ابنها المصاب الوحيد الذي نجا من المجزرة، ترعاه بيد، وتعالج الآخرين باليد الأخرى، في صورة نادرة لصمود إنساني يلامس حدود الأسطورة.
تنتظر مولودًا جديدًا
رغم فداحة الخسارة، لا تزال آلاء تحمل في أحشائها جنينها القادم، الذي ترى فيه أملًا جديدًا، ونقطة نور وسط هذا الظلام الثقيل.
“ربما يكون هذا الجنين هو من يحمل اسمي وذكرى عائلتي”، هكذا قالت، وهي تجلس إلى جانب سرير ابنها الجريح في المستشفى.
صمود المرأة الفلسطينية في أقوى صوره
آلاء النجار لم تكن فقط أمًّا فقدت أطفالها، ولا زوجة فُجعت بشريك عمرها، بل أصبحت اليوم رمزًا للمرأة الفلسطينية، التي تتقاطع في ملامحها مع الأرض، والجرح، والكرامة. أصبحت مثالًا عالميًا يحتذى به في مواجهة القهر بالصبر، والحرب بالأمل، والفقد بالعطاء.
الإلهام يتجاوز الحدود
قصة الطبيبة آلاء النجار انتشرت كالنار في الهشيم عبر وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث كتب عنها صحفيون وحقوقيون وأطباء من شتى أنحاء العالم، وعبّروا عن احترامهم وإكبارهم لموقفها النبيل.
على موقع “إكس” (تويتر سابقًا)، كتب أحد الأطباء البريطانيين:
“لو كانت هناك جائزة إنسانية في مواجهة الفقد، لاستحقتها آلاء دون منازع.”
أرقام تقتل.. لكن الإنسانية تنتصر
يأتي هذا المشهد في ظل أرقام مفزعة تشير إلى استشهاد أكثر من 15 ألف طفل فلسطيني منذ بداية العدوان، وإصابة عشرات الآلاف، فيما تواصل الطواقم الطبية عملها بأبسط الإمكانات، في ظل الحصار ونقص الأدوية والمعدات.
لكن رغم كل ذلك، تظل آلاء وأمثالها من الأطباء والممرضين، الخط الأخير في الدفاع عن الحياة.
قوة الصبر وسط المأساة
في مجتمع يرزح تحت وطأة الحصار والاحتلال، تمثل قصة آلاء النجار شهادة حية على قوة الصبر والإرادة. فقدان أفراد العائلة بهذا الحجم يصنع فجوة لا تعوض، لكنه أيضًا يولّد قدرة على المقاومة النفسية والاجتماعية غير مسبوقة. تدعم آلاء وتساندها شبكة من العائلة والأصدقاء والزملاء، ممن يشكلون «الدرع الإنساني» حولها، يساعدونها على مواجهة الألم والمضي قدمًا في مهمتها. قصتها تعكس كيف تتحول المآسي الشخصية إلى دفعة قوية من أجل العطاء والعمل في خدمة الإنسانية، مما يجعل من آلاء رمزًا للمرأة التي لا تضعف، بل تصبح أكثر صلابة أمام أصعب الظروف.
و ليست آلاء النجار مجرد طبيبة، بل أيقونة إنسانية، أعادت تعريف البطولة في زمنٍ كثر فيه الموت، وقلّ فيه الأمل. بقيت واقفة، تُسعف الجرحى بقلبٍ جُرح ألف مرة، وتنتظر ميلاد طفلها القادم، الذي سيكون شاهدًا على أن الأم الفلسطينية لا تُقهر.

