رئيس مجلس الإدارة : أحمد جمال

“أريل” الكوري الشمالي.. هاتف ذكي أم أداة رقابة متقدمة؟

كتب : رشا حجاج

في الوقت الذي تتسابق فيه شركات التكنولوجيا حول العالم لتقديم مزايا مبتكرة في الهواتف الذكية، تسلك كوريا الشمالية طريقًا مختلفًا تمامًا، حيث كشفت مؤخرًا عن هاتف ذكي محلي يُدعى “أريل” (Arirang-171)، لا يهدف إلى الترفيه أو الإنتاجية كما هو الحال في بقية العالم، بل إلى المراقبة والتوجيه العقائدي.

هذا الهاتف، الذي يُعد نسخة مطورة من سلسلة “أريل” التي بدأت في 2013، يجسّد كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من وسيلة تمكين إلى أداة دعائية صارمة بيد الأنظمة الشمولية.

مظهر حديث.. مضمون مقيّد

من حيث الشكل، لا يبدو “أريل” مختلفًا كثيرًا عن الهواتف الذكية التقليدية؛ شاشة لمس، كاميرا، تصميم أنيق، وتطبيقات محملة مسبقًا. لكنه في جوهره، مُجهز بنظام تشغيل محلي مشتق من “أندرويد”، معدّل بالكامل بما يتماشى مع سياسات الرقابة الحكومية في كوريا الشمالية.

يُظهر تحليل تقني للهاتف – بحسب ما نشره تقرير من منظمة “مينفري” (MinFree) – أن “أريل” يخضع لمستويات غير مسبوقة من السيطرة على تجربة المستخدم. فكل ملف، صورة أو تطبيق، يخضع لفحص ومراقبة تلقائية من الجهاز نفسه قبل أن يُسمح بفتحه أو تشغيله.

الهاتف الذي “يُخبر عنك”

الأكثر إثارة للقلق هو ميزة تُعرف بـ**”البصمة التشفيرية”**، وهي طريقة لتوقيع كل ملف تم التقاطه أو نقله إلى الجهاز. إذا حاول المستخدم فتح ملف غير موّقع، يتم رفضه فورًا، مع تسجيل المحاولة في سجل رقمي لا يمكن حذفه. هذا يعني أن أي محاولة لإدخال ملفات خارجية، كصور أو مقاطع فيديو من العالم الخارجي، تُرصد فورًا ويُبلّغ بها النظام.

بالإضافة إلى ذلك، يتم التقاط صور ثابتة من الفيديوهات أثناء عرضها، وتحفظ في سجل خاص، يمكن للسلطات مراجعته في أي وقت. هذه الخطوة تُظهر بوضوح الهدف الحقيقي للجهاز: المراقبة الذاتية والإبلاغ التلقائي عن “الانحرافات” الفكرية.

رقابة حتى في لوحة المفاتيح

من المزايا المثيرة للجدل أيضًا، أن الهاتف يضم نظام تصحيح تلقائي للكلمات لا يكتفي بتصحيح الأخطاء الإملائية، بل يقوم بإعادة صياغة الكلمات التي تُعتبر “غير مناسبة سياسيًا”. مثلًا، إذا كتب المستخدم كلمة “كيم” دون إشارة احترام، يتم تعديلها تلقائيًا لتشمل اللقب الكامل والاحترام الرسمي.

هذا يشير إلى محاولة السلطات الكورية الشمالية استخدام الهاتف ليس فقط كوسيلة اتصال، بل كأداة تربوية تفرض لغة النظام حتى على مستوى المحادثات الشخصية.

تكنولوجيا موجهة أيديولوجيًا

يشمل الجهاز مجموعة تطبيقات ترفيهية وتعليمية، إلا أنها كلها تحمل طابعًا أيديولوجيًا. الكتب الإلكترونية تتضمن فقط نصوصًا رسمية أو أدبيات تمجّد النظام، وألعاب الفيديو تدور حول رموز الثورة أو الدفاع عن الوطن.

ولا وجود لأي نوع من الاتصال الخارجي: لا إنترنت عالمي، ولا متاجر تطبيقات، بل شبكة داخلية محلية تسمى “كوانغميونغ” محدودة المحتوى، وتخضع لرقابة صارمة.

هل يصنع الكوريون هاتفهم فعلاً؟

رغم الإعلانات الرسمية بأن الهاتف “صناعة محلية 100%”، يشير خبراء إلى أن أجزاء الجهاز – مثل المعالجات والكاميرات – تأتي من الصين، ويتم تجميعها محليًا. هذا يعكس التحديات الاقتصادية والتقنية التي تواجهها كوريا الشمالية تحت وطأة العقوبات، لكنها في الوقت نفسه تستغل تلك الموارد في تطوير أدوات رقابة داخلية دقيقة.

ردود الفعل الدولية

أثار الجهاز اهتمام الباحثين في شؤون الأمن السيبراني وحقوق الإنسان، حيث وصفه البعض بأنه “أداة مراقبة محمولة”، بينما يعتبره آخرون رمزًا لتطور أساليب الأنظمة الاستبدادية في استخدام التكنولوجيا ليس لحجب المعلومات فقط، بل لإعادة صياغة سلوكيات وأفكار المواطنين.

ويحذر حقوقيون من أن انتشار هذا النوع من الأجهزة في كوريا الشمالية يعني إحكامًا أكبر للسيطرة على الحياة الخاصة، ويجعل من محاولة الوصول للمعلومات أو التعبير عن الرأي جريمة رقمية موثّقة تلقائيًا.

 هاتف بلا حرية

قد يبدو “أريل” هاتفًا ذكيًا من الخارج، لكنه في جوهره أداة سياسية، تراقب وتوجه وتصحح. في عالم تحرّكه البيانات والخصوصية والحرية الرقمية، يمثل هذا الهاتف النقيض الصارخ لما ترمز إليه الهواتف الذكية في بقية العالم.

ورغم كل ما قد تحمله الشاشة من صور أو كلمات، فإنها لا تعكس الواقع بقدر ما تُظهر المرآة التي تريدها السلطة. وفي كوريا الشمالية، حتى الكلمات على شاشة الهاتف، يجب أن تخضع للموافقة.

جيل كامل ينمو داخل قوقعة رقمية

إن أخطر ما في “أريل” لا يكمن فقط في الرقابة الفورية، بل في تطبيع هذا النمط من المراقبة منذ سن مبكرة. فالهاتف يُسوّق على أنه أداة تعليمية مخصصة للطلاب والشباب، ما يعني أن الجيل الجديد في كوريا الشمالية ينشأ على استخدام جهاز يراقبه باستمرار ويعلّمه ما هو “مسموح” التفكير فيه، وما يجب تجنّبه. هذه المعادلة الرقمية المُغلقة تُقنّن الخيال، وتُجرّم الفضول، وتؤسس لجيل لا يعرف الفرق بين التكنولوجيا كوسيلة تمكين، وبينها كأداة إخضاع ناعمة. وهو ما يثير مخاوف عميقة لدى الخبراء في مجال الحريات الرقمية، إذ يتحول الهاتف الذكي من رفيق شخصي إلى رقيب أيديولوجي مزروع في الجيب.

Yehia Atef

Related Posts

«بدر بَرّادة» شاعر وفيلسوف مغربي يروي الجمال والوطن في قصائده

صدر عن الساحة الأدبية المغربية والعربية اسم لامع يتردد في أروقة الثقافة والأدب، وهو الشاعر والكاتب المغربي بدر بَرّادة، المهندس والفيلسوف الذي جمع بين صرامة الفكر وسموّ الإبداع، وُلد بَرّادة في مدينة فاس العريقة، حيث ترسّخت فيه قيم الثقافة والمعرفة ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات الشعرية المعاصرة التي تُغني الأدب العربي بنَفَس فلسفي وإنساني عميق. بدر بَرّادة شاعر وفيلسوف مغربي تميزت أعماله الشعرية بالقدرة على الجمع بين الحس الإنساني والبعد الفلسفي فالشاعر لا يكتب الحبّ لمجرّد التعبير عن العاطفة بل يجعل منه رسالة للوجود وفلسفة للحياة من أبرز دواوينه الشعرية: «تراتيل عشق»، و«جئت لا أعلم فعلّمتني الحياة»، و**«قطرات الندى»**، حيث يمكن للقارئ أن يلمس الروح الإنسانية المتألقة في كل بيت شعري، وانصهار العاطفة بالفكر في شكل جمالي رفيع. بدر بَرّادة لم يقتصر دوره على الكتابة فحسب، بل كان فاعلًا ثقافيًا يشارك في المنتديات الأدبية والفعاليات الثقافية، مساهِمًا في نشر الفكر الجمالي والمفاهيم الإنسانية بين أجيال القراء والمثقفين لقد تمكن بَرّادة من صياغة لغة شعرية خاصة، تجمع بين بساطة التعبير وعمق المعنى ما جعله مرجعًا مهمًا لمن يبحث عن الشعر الذي يلامس القلب والعقل معًا. كما أن الشاعر المغربي استطاع عبر أعماله أن يطرح أسئلة وجودية وعاطفية بأسلوب سلس وجذاب، ما يجعل من دواوينه مصدر إلهام للقراء العرب الذين يسعون لفهم العلاقة بين الحب، الحياة، والوطن وفي هذا الإطار، تُعد مجموعته «قطرات الندى» مثالًا بارزًا على كيفية تحويل المشاعر اليومية إلى نصوص شعرية تحمل بعدًا فلسفيًا، وتُقدّم رؤية جديدة للعالم من منظور إنساني راقٍ. اقرأ أيضا: أدباء من ذوي الهمم يحلقون…

وزارة الثقافة تعلن تفاصيل الدورة 57 لـ معرض القاهرة الدولي للكتاب في مؤتمر صحفي بالأوبرا

معرض القاهرة الدولي للكتاب.. تعقد وزارة الثقافة ظهر يوم الإثنين المقبل، في المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، مؤتمرًا صحفيًا للإعلان عن تفاصيل الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بحضور الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، والسيدة أوليفيا توديران، سفيرة رومانيا بالقاهرة، باعتبارها دولة ضيف شرف المعرض في هذه الدورة. ويشارك في المؤتمر الدكتور خالد أبو الليل، القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، والدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، إضافة إلى الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، وفريد زهران، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، وممثل مركز مصر للمعارض الدولية إلى جانب قيادات وزارة الثقافة وأعضاء اللجنة الاستشارية العليا للمعرض. ويتناول المؤتمر استعراض ملامح الدورة الجديدة للمعرض، بما في ذلك المحاور الثقافية والفكرية، والبرنامج المهني المصاحب، وفعاليات جمهور الأطفال والشباب، بالإضافة إلى برامج الندوات واللقاءات الفكرية، كما سيتم الإعلان عن أسماء أبرز الضيوف والمشاركين من مصر والعالم، مما يعكس المستوى الدولي للمعرض ودوره في تعزيز التبادل الثقافي. ومن أبرز محاور المؤتمر الكشف عن تفاصيل مشاركة دولة رومانيا كضيف شرف، وما ستقدمه من فعاليات أدبية وفنية تمثل عمق التعاون الثقافي بين مصر ورومانيا، كما سيتم استعراض خطة المعرض لتعزيز صناعة النشر ودعم المبدعين وتوسيع آفاق الحوار الثقافي بين المشاركين والقراء، بالإضافة إلى البرامج المتنوعة التي تهدف إلى تشجيع القراءة ونشر الثقافة بين مختلف الفئات العمرية. ويعد معرض القاهرة الدولي للكتاب من أكبر التظاهرات الثقافية في الشرق الأوسط، حيث يجمع سنويًا آلاف الزوار والناشرين والمؤلفين من مصر والعالم، ويتيح منصة لتبادل الأفكار والإبداعات الأدبية والفكرية، وتسعى الدورة 57 إلى تطوير التجربة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار لم تقرأها

«بدر بَرّادة» شاعر وفيلسوف مغربي يروي الجمال والوطن في قصائده

  • يناير 21, 2026
«بدر بَرّادة» شاعر وفيلسوف مغربي يروي الجمال والوطن في قصائده

أدباء من ذوي الهمم يحلقون في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

  • يناير 21, 2026
أدباء من ذوي الهمم يحلقون في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026

إيديكس.. منصة تعليمية مجانية ضمن فرص التعلم المفتوح للجميع

  • يناير 21, 2026
إيديكس.. منصة تعليمية مجانية ضمن فرص التعلم المفتوح للجميع

لينكد إن تعليم.. المنصة المثالية لتطوير المهارات الوظيفية والارتقاء المهني

  • يناير 21, 2026
لينكد إن تعليم.. المنصة المثالية لتطوير المهارات الوظيفية والارتقاء المهني

منصة كورسيرا.. شهادات جامعية ومسارات مهنية عالمية

  • يناير 21, 2026
منصة كورسيرا.. شهادات جامعية ومسارات مهنية عالمية

منصة إدراك.. منصات تعليمية مجانية للتعلم باللغة العربية للشهادات المهنية

  • يناير 21, 2026
منصة إدراك.. منصات تعليمية مجانية للتعلم باللغة العربية للشهادات المهنية