كتب : رشا حجاج
في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات والقلق على الصعيدين التقني والسياسي، أطلقت كوريا الشمالية هاتفًا ذكيًا محلي الصنع يُعتقد أنه لا يقتصر فقط على الاستخدام العادي، بل يُستخدم أيضًا كأداة دعائية رقمية تجمع معلومات حساسة عن مستخدميه ، و الهاتف، الذي يحمل اسمًا محليًا، مزود بتقنيات مراقبة وتعديل تلقائي للنصوص، مما يعكس توجهات النظام في التحكم بالمعلومات الرقمية داخل البلاد.
خلفية عن الهاتف
أعلنت كوريا الشمالية عن إطلاق هاتف ذكي جديد، يُعرف محليًا باسم “بونغجين 4” (Pongjin 4)، وهو جزء من سلسلة هواتف محلية الصنع تهدف إلى تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، وتعزيز الصناعة الوطنية الرقمية. يأتي الهاتف مزودًا بنظام تشغيل محلي مبني على نسخة معدلة من أندرويد، وهو موجه للمستخدمين داخل البلاد فقط، مع قيود صارمة على الوصول إلى الإنترنت العالمي.
ورغم أن الهاتف يُروَّج له كمنتج وطني متطور ينافس الهواتف الذكية العالمية، إلا أن تقارير عديدة أكدت أن نظام التشغيل والتطبيقات المدمجة تتضمن آليات للمراقبة والسيطرة على المحتوى، بالإضافة إلى ميزات تعديل تلقائي للكلمات تبرمج لتتناسب مع الخطاب السياسي الرسمي.
التجسس والمراقبة الرقمية
أحد أبرز المخاوف المتعلقة بهذا الهاتف الذكي هو قدرته على التجسس على المستخدمين. إذ تحتوي برمجيات الهاتف على ما يمكن تسميته “برمجيات تجسس” ترصد كل ما يكتبه المستخدم من رسائل نصية أو ملاحظات، وحتى ما يُكتب على متصفحات الإنترنت المحلية.
وتُرسل هذه البيانات إلى خوادم مركزية تحت سيطرة الحكومة، حيث يتم تحليلها لرصد أي محتوى قد يُعتبر معارضًا أو غير مرغوب فيه. بالإضافة إلى ذلك، يتضمن الهاتف خاصية تصحيح تلقائي للكلمات تستبدل أو تقترح كلمات تتناسب مع الأيديولوجيا الرسمية، ما يجعل من الصعب على المستخدمين التعبير عن آرائهم بحرية أو استخدام مصطلحات خارج إطار الخطاب الرسمي.
أداة دعائية ذكية
لا يقتصر دور الهاتف على التجسس فقط، بل يُستخدم أيضًا كأداة دعائية لتعزيز الرسائل الرسمية وتوجيه المستخدمين نحو الخطاب السياسي للدولة. يتم تحميل الهاتف مسبقًا بعدد من التطبيقات التي تقدم محتوى إعلاميًا موجهًا، مثل أخبار الدولة، والخطب السياسية، بالإضافة إلى برامج تعليمية تهدف إلى ترسيخ القيم الوطنية والاجتماعية.
ويساعد نظام تصحيح الكلمات في الحفاظ على توحيد الخطاب عبر جميع المستخدمين، حيث يعمل على تعديل الكلمات التي قد تُعتبر غير مناسبة أو قد تحمل دلالات مخالفة للأيديولوجيا الرسمية، ليضمن بذلك أن جميع المحتويات الرقمية تخدم أهداف الدولة.
ردود الفعل الدولية
أثار هذا الهاتف الذكي ردود فعل متباينة على المستوى الدولي، حيث اعتبره خبراء الأمن الإلكتروني وسيلة جديدة لنشر التجسس الرقمي والسيطرة على المواطنين، ما يزيد من مخاطر انتهاك حقوق الخصوصية والحريات الرقمية.
وفي المقابل، ترى كوريا الشمالية أن تطوير مثل هذه الهواتف هو جزء من سياساتها السيادية التي تهدف إلى بناء اقتصاد رقمي مستقل ومحمي من التأثيرات الخارجية، خاصة في ظل العقوبات الدولية المفروضة على البلاد.
تقنيات وتطبيقات مدمجة
الهاتف مزود بمجموعة من التطبيقات المحلية التي تغطي عدة جوانب من حياة المستخدم اليومية، منها:
-
تطبيقات الأخبار المحلية: التي تقدم تغطية موسعة للأحداث السياسية والاقتصادية حسب رؤية الدولة.
-
التطبيقات التعليمية: التي تُركز على تعليم اللغة الكورية وتعزيز القيم الوطنية.
-
أدوات الترجمة والتصحيح اللغوي: التي تقوم بتعديل النصوص تلقائيًا بما يتوافق مع الخطاب الرسمي.
كما يدعم الهاتف ميزات أساسية مثل الاتصالات الصوتية، الرسائل النصية، والكاميرا، لكنه يفتقر إلى إمكانية تثبيت تطبيقات خارجية من مصادر غير معتمدة، مما يحد من حرية المستخدم في اختيار برامجه.
ما الذي يعنيه هذا للمستخدمين؟
بالنسبة للمواطنين في كوريا الشمالية، فإن استخدام هذا الهاتف يعني أنهم تحت مراقبة مستمرة من الدولة في كل تفاعل رقمي يقومون به. فمن الناحية التقنية، يتوجب على المستخدمين الالتزام بقواعد صارمة فيما يكتبون ويرسلون عبر الهاتف، وإلا قد يتعرضون لعقوبات قانونية.
وعلى الرغم من محدودية إمكانية الوصول إلى الإنترنت العالمي، فإن وجود الإنترنت المحلي مع مراقبة صارمة يجعل من الهاتف أداة تحكم متكاملة داخل المجتمع الرقمي المحلي.
هل يشكل هذا تطورًا في التكنولوجيا الرقمية؟
رغم الملاحظات السلبية حول المراقبة والتجسس، فإن هذا الهاتف يمثل تطورًا تقنيًا في مجال تصنيع الإلكترونيات داخل دولة عززت قدراتها التقنية بالرغم من الحصار والعقوبات. فالقدرة على إنتاج هاتف ذكي محلي الصنع بتلك المواصفات يشير إلى مستوى متقدم من التقنية والتطوير الصناعي.
لكن من الناحية الحقوقية والأخلاقية، يثير هذا النموذج نقاشات واسعة حول حرية المستخدمين، خصوصية البيانات، وحق التعبير في ظل نظم مراقبة مشددة.
و يُعتبر هاتف “بونغجين 4” مثالًا واضحًا على كيف يمكن للتكنولوجيا أن تُستخدم كأداة مزدوجة الوجه: أداة تقدم تقنيات حديثة وتجربة مستخدم مقبولة، وفي الوقت ذاته أداة مراقبة وتحكم في المحتوى الرقمي والمستخدمين.
وهذا النموذج الكوري الشمالي يعكس وجهًا من واقع التحكم الرقمي في أنظمة مغلقة، حيث لا تُترك حرية الاستخدام والتعبير للفرد، بل تُهيمن عليها الدولة من خلال أدوات ذكية تتغلغل في تفاصيل الحياة الرقمية.
ومع استمرار تطور التكنولوجيا وتداخلها مع السياسات، يبقى السؤال مطروحًا حول كيفية تحقيق توازن بين الابتكار وحماية حقوق الإنسان في العصر الرقمي.

