كتب : رشا حجاج
في خطوة تصعيدية غير معتادة، أعلنت شركة أبل (Apple) رسميًا استئنافها ضد إدراج متجر التطبيقات التابع لها ضمن نطاق قانون الأسواق الرقمية الأوروبي DMA، مبررة ذلك بمخاوف جوهرية تتعلق بخصوصية المستخدمين وأمان أجهزتهم.
القرار يمثل صراعًا متصاعدًا بين شركات التكنولوجيا العملاقة والهيئات التشريعية الأوروبية، حيث تسعى أوروبا لفرض قواعد أكثر صرامة للحد من احتكار المنصات الرقمية الكبرى، بينما ترى أبل أن هذه القوانين قد تُقوّض حماية المستخدمين بدلًا من تعزيزها.
ما هو قانون الأسواق الرقمية DMA؟
قانون الأسواق الرقمية DMA (Digital Markets Act) هو تشريع أوروبي حديث يهدف إلى تنظيم سلوك “حراس البوابة” الرقميين – وهم الشركات التي تهيمن على السوق، مثل أبل، جوجل، أمازون، وميتا. دخل القانون حيز التنفيذ في عام 2023، وبدأ تطبيقه بشكل عملي في عام 2024.
أبرز ما يفرضه القانون:
-
السماح بمتاجر تطبيقات بديلة على أنظمة التشغيل مثل iOS
-
تمكين المستخدمين من إلغاء تثبيت التطبيقات الافتراضية
-
إتاحة مشاركة البيانات بين الخدمات المنافسة
-
فرض قيود على جمع البيانات من عدة منصات مملوكة لنفس الشركة
تم تصنيف أبل كـ”حارس بوابة” digital gatekeeper ضمن هذا القانون، وهو ما يفرض عليها تعديل طريقة عمل متجر التطبيقات الخاص بها App Store، وكذلك طريقة تفاعل نظام iOS مع التطبيقات والخدمات.
أبل: القانون يهدد خصوصية المستخدمين
في طعنها الرسمي أمام محكمة العدل الأوروبية، أكدت أبل أن الامتثال الكامل لقانون DMA كما هو حاليًا “يشكل خطرًا حقيقيًا” على خصوصية المستخدمين. وجاء في بيان رسمي للشركة:
“أنظمة الحماية والخصوصية في iOS وApp Store تم تطويرها بعناية لضمان تجربة آمنة للمستخدمين. إجبارنا على فتح النظام قد يعرّض المستخدمين لمصادر غير موثوقة، ويقوّض ثقتهم في أجهزتهم.”
أبل ترى أن السماح بتثبيت التطبيقات من متاجر بديلة، أو إلزامها بالسماح بالمزيد من التداخل بين التطبيقات والخدمات الخارجية، يفتح الباب أمام البرمجيات الخبيثة، ويسهّل الوصول غير المشروع إلى بيانات حساسة.
الاتحاد الأوروبي يرد: حماية المستخدم لا تعني الاحتكار
في المقابل، شدد مسؤولو المفوضية الأوروبية على أن قانون DMA لا يستهدف تقويض خصوصية المستخدمين، بل يسعى إلى تمكينهم من الاختيار وكسر الاحتكار التقني.
أحد ممثلي المفوضية قال:
“الاحتكار لا يساوي الحماية. السماح بوجود بدائل لا يعني أن أبل تفقد قدرتها على تأمين نظامها، بل يعني أن المستخدم هو من يقرر ما يستخدمه، لا الشركة.”
ويرى الاتحاد الأوروبي أن هيمنة أبل على طريقة توزيع التطبيقات، وفرضها لرسوم عالية على المطورين، يعيق الابتكار ويؤثر على المنافسة، وهو ما يسعى القانون لمعالجته.
هل الخصوصية مجرد غطاء؟ آراء متباينة من الخبراء
يرى بعض المراقبين أن أبل تستخدم “الخصوصية” كستار لحماية نموذجها الربحي القائم على التحكم الكامل في النظام البيئي iOS، حيث تحصل على نسبة تصل إلى 30% من أرباح التطبيقات والمشتريات داخل المتجر.
بينما يقول آخرون إن أبل بالفعل تُقدّم أعلى معايير الخصوصية في السوق، وأي محاولة لفرض تغييرات جذرية دون تنسيق معها قد يُعرض المستخدمين لمخاطر حقيقية.
الخبير التقني “توماس شيلينغ” علّق قائلًا:
“ربما تكون أبل مدفوعة بأسباب تجارية، لكن لا يمكن إنكار أن بيئة iOS أكثر أمانًا من أندرويد. قانون DMA يجب أن يكون أكثر مرونة مع الشركات التي تثبت التزامها بالخصوصية.”
الاستئناف لا يوقف التنفيذ.. لكن الصراع القانوني مستمر
رغم تقديم الاستئناف، فإن قانون DMA لا يتوقف عن التنفيذ، وهو ما يعني أن أبل مُلزمة حاليًا ببدء تطبيق الإجراءات المطلوبة تدريجيًا، إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
وقد بدأت أبل بالفعل باختبار بعض التعديلات، مثل إتاحة الروابط إلى مواقع المطورين داخل التطبيقات، والسماح ببعض متاجر التطبيقات البديلة في الاتحاد الأوروبي، ولكن ضمن قيود صارمة ومعايير فحص أمنية مشددة.
ماذا يعني ذلك للمستخدمين في أوروبا والعالم؟
بالنسبة للمستخدمين الأوروبيين، فإن السنوات القليلة المقبلة قد تشهد تغيرات كبيرة في طريقة تفاعلهم مع أجهزة أبل:
-
إمكانية تثبيت تطبيقات من خارج App Store
-
خيارات أوسع في إعدادات الخصوصية
-
خفض الأسعار بسبب تقليل الرسوم المفروضة على المطورين
أما المستخدمون خارج أوروبا، فقد لا يطالهم القانون مباشرة، لكن الضغوط التنظيمية الأوروبية دائمًا ما تترك أثرًا عالميًا، كما حدث مع تشريعات حماية البيانات (GDPR) التي أصبحت نموذجًا دوليًا بعد إطلاقها في أوروبا.
أبل بين المطرقة والتنظيم
ما بين رغبتها في الحفاظ على تجربة مستخدم آمنة، وسعيها لحماية نموذجها الاقتصادي، تجد أبل نفسها في مواجهة مباشرة مع أكبر تكتل اقتصادي في العالم.
وبينما يرى البعض أن المعركة الحقيقية هنا بين الخصوصية والاحتكار، يرى آخرون أنها اختبار حقيقي لمستقبل العلاقة بين شركات التقنية الكبرى والتنظيم الحكومي.
هل تنتصر أبل أم تُغير قواعد اللعبة؟
الأشهر المقبلة ستكشف عن نتائج هذا الاستئناف وما إذا كانت أبل قادرة على إقناع المحاكم الأوروبية بأن الخصوصية تستحق استثناءً من القواعد. لكن الأكيد أن ساحة التكنولوجيا تشهد صراعًا جديدًا بين الابتكار والرقابة، بين الحماية والانفتاح.

