كتب : رشا حجاج
في زمن أصبحت فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية، لم يعد الأمر مقتصرًا على الإبهار بقدراتها، بل تعدى ذلك ليطرح أسئلة جوهرية حول الخصوصية، وأمان البيانات، وحق المستخدم في النسيان ،ومن بين أبرز هذه الأدوات، تبرز منصة ChatGPT التابعة لشركة OpenAI، والتي أثارت مؤخراً حالة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول بعض المستخدمين تحذيرات تفيد بأن “شات جي بي تي يحتفظ بمحادثاتك حتى بعد حذفها”.
ولكن ما مدى صحة هذا الادعاء؟ وهل حقًا يحتفظ النظام بالمحتوى بعد حذفه؟ وهل هناك مخاطر على خصوصية المستخدم؟ أم أن الأمر أُسيء فهمه أو ضُخم دون تحقق؟
من أين بدأ القلق؟
بدأت القصة عندما انتشرت تغريدات ومنشورات على فيسبوك وتويتر تحذر المستخدمين من أن “ChatGPT يحتفظ بكل شيء حتى لو قمت بحذف المحادثة من حسابك”. وسرعان ما تفاعل عدد كبير من النشطاء مع تلك المنشورات، وسط قلق من إمكانية استخدام محتوى المحادثات لأغراض تجارية أو مراقبة.
بعض المعلقين ذهبوا إلى أبعد من ذلك، متهمين الشركات المطورة لأدوات الذكاء الاصطناعي بـ”تجميع البيانات” و”بناء ملفات عن المستخدمين”، بينما طالب آخرون بمزيد من الشفافية حول آليات جمع البيانات، ومع من يتم مشاركتها، وكم من الوقت تُخزَّن.
رد OpenAI: الشفافية والإعدادات في يد المستخدم
في المقابل، تؤكد شركة OpenAI، المطورة لChatGPT، أن لديها سياسات واضحة بشأن حفظ البيانات، وتمنح المستخدمين تحكمًا كاملاً في ما إذا كانوا يريدون حفظ محادثاتهم أم لا.
فمن خلال إعدادات الخصوصية في حساب المستخدم، يمكن تعطيل ميزة “Chat History & Training”، وعند تفعيل ذلك الخيار، فإن المحادثات لا تُستخدم لتدريب النماذج ولا يتم حفظها في الشريط الجانبي. ورغم أن OpenAI قد تحتفظ بنسخة مؤقتة لفترة قصيرة لأغراض أمنية – كما تفعل معظم الشركات التقنية – فإن تلك البيانات لا تُستخدم لأغراض الإعلانات أو البيع.
كما تتيح المنصة للمستخدمين حذف أي محادثة يدوياً، أو حتى حذف الحساب بالكامل، مما يؤدي إلى إزالة البيانات المرتبطة به.
ما الذي يُحفظ فعلاً؟ ولماذا؟
وفقاً لسياسة الخصوصية المعلنة من قبل OpenAI، قد يتم الاحتفاظ بالمحادثات بشكل مؤقت (عادةً لفترة 30 يومًا أو أقل) من أجل مراقبة إساءة الاستخدام، واكتشاف الانتهاكات مثل النشر المتعمد لمحتوى ضار أو غير قانوني. وتُؤكد الشركة أنها لا تقوم بتوصيف المستخدمين بشكل فردي، ولا تبيع البيانات لأي طرف ثالث.
ويمكن للمستخدمين الاطلاع على هذه السياسات بالكامل من خلال الموقع الرسمي لـ OpenAI، حيث توضح الوثائق أن استخدام المحادثات في تدريب النماذج يتم فقط بعد إخفاء الهوية، وعند تمكين خيار المحفوظات.
رأي الخبراء: قلق مبرر ولكن…
يؤكد خبراء في أمن المعلومات أن القلق من الخصوصية أمر مشروع، خاصةً في ظل التوسع السريع لاستخدام الذكاء الاصطناعي. إلا أنهم يفرقون بين سوء الفهم العام والانتهاك الفعلي للخصوصية.
يقول المهندس أحمد علاء، خبير أمن سيبراني:
“أي منصة تتعامل مع كمٍّ هائل من البيانات معرضة للانتقاد، لكن OpenAI من الشركات التي تتيح للمستخدمين درجة جيدة من التحكم والوعي. على المستخدم أن يقرأ الإعدادات جيدًا، لا أن يعتمد فقط على منشورات قد تكون مضللة.”
من جانبه، يشير الدكتور طارق الخولي، أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة القاهرة، إلى أن:
“جزءًا من المشكلة يعود إلى ضعف الثقافة التقنية لدى المستخدم العادي، فالكثيرون لا يراجعون إعدادات الخصوصية، ولا يدركون أنهم يستطيعون التحكم في استخدام بياناتهم.”
السوشيال ميديا تضخم القلق
لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تأجيج هذا الجدل. فمع انتشار منشورات تحذيرية بصيغ مثيرة مثل “احذر!” أو “فضيحة خصوصية!”، تناقل المستخدمون المعلومات دون تحقق، ما خلق حالة من الهلع الرقمي المؤقت.
ويرى مراقبون أن جزءًا من المسؤولية يقع على عاتق المستخدمين أنفسهم، الذين يجب أن يتحلوا بالوعي التقني، وألا يتخذوا قرارات بناءً على إشاعات أو تدوينات غير موثقة.
المستخدمون بين الراحة والرقابة
رغم الجدل، لا تزال الملايين حول العالم تستخدم ChatGPT بشكل يومي، سواء في الكتابة، التعليم، البحث، أو حتى الترفيه، وهو ما يعكس حجم الثقة التي يحظى بها النظام لدى جمهور واسع. لكن يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن الثقة الكاملة بأي أداة ذكاء اصطناعي؟ وهل نحن مستعدون ثقافيًا وقانونيًا للتعامل مع هذه التحولات؟
وفي النهاية، يظل الحل في الموازنة بين الراحة التي توفرها التكنولوجيا، وبين الوعي بخطورتها المحتملة، إلى جانب الحاجة إلى تشريعات دولية موحدة تحمي خصوصية الأفراد دون إبطاء عجلة الابتكار.

