موضوع خطبة الجمعة .. يتساءل عريض من المسلمين عن نص خطبة الجمعة المقبلة، حيث أعلنت وزارة الأوقاف أن خطبة الجمعة القادمة 20 يونيو 2025م، الموافق 24 ذو الحجة 1446 ه، سيكون عنونها: «إذا أردت السلامة من غيرك فاطلبها في سلامة غيرك منك»، لافتة إلى أن الهدف المنشود من هذه الخطبة والمراد توصيله للجمهور هو: التوعية بأهمية احترام الحياة الخاصة، وعدم التدخل في شئون الآخرين.
نص خطبة الجمعة القادمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فحديثنـا اليـوم عـن خلـق عظيـم، وأدب رفيع، وهو احتـرام خصوصيـة الآخرين، فمن يريد السـلامة من ألسـنة النـاس وأيديهـم، فليبدأ بسـلامة الناس من لسـانه ويده، ومـن يبحث عن الاحتـرام، فليُعطِه أولًا، ومن يطلـب راحـة البـال، فليتجنبِ التدخل في أسـرار الآخريـن، وأحوالهم، وقراراتهم، وأسـبابهم التي لا تعنيه.
قـال تعالـى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النـور: ]27، هـذا في الدخـول، فكيـف بمـن يخـرق البيـوت بالفضـول، ويقتحـم الخصوصيـات بالتجسـس والـكلام؟
ولكي يحقق المسلم هذا المبدأ الذي رسخه الإسلام، عليه أن يراعي عدة أمور منها:
لا تتكلم فيما لا يعنيك
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَ يَعْنِيهِ» رواه الترمذي.
هـذا الحديـث قاعـدة ذهبيـة في الأخـلاق، ومِفْتاحٌ للسـعادة النفسـية والاجتماعيـة، وهو دعوةٌ للسـكينة، والبعـد عـن التطفل، والاشـتغال بمـا ينفع.
والمعنـى: أن مـن علامـات إسـلامك الحقيقـي، أنك لا تتدخـل فيما لا يخصك، ولا تتكلـم إلا بما يعود عليـك أو علـى النـاس بالنفـع، وأن كثـرة التدخـل في شـؤون النـاس تُـورث العـداوة، وكثـرة الأسـئلة تُـورث الضيـق والحـرج، والسـكوت عمـا لا يعنينا يُـورث الهيبة.
فقبـل أن تتكلـم، سـل نفسـك: هـل هـذا الكلام يفيدني؟ هـل هذا الشـأن يعنيني فعلًا؟ هـل صاحب الأمر راضٍ بسـؤالي أو تدخلي؟
اجتناب الظن السيء
قـال تعالـى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجـرات:.]12
قـال الإمـام الطاهـر ابـن عاشـور: في قولـه تعالـى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ تأديـبٌ عظيـمٌ يُبطـل مـا كان فاشـيًا في الجاهليـة مـن الظنـون السـيئة والتهـم الباطلـة، وأن الظنون السـيئة تنشـأ عنهـا الغَيْـرة المفرطةُ، والمكائـد، والاغتيـالات، والطعـن في الأنسـاب[.» التحريـر والتنوير]
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما وأنه نام يوما فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا: ما يريد سلمان شيئا غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخبار مضروب فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إداما فانطلق فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك قال: ما يصنع أصحابك بالإدام؟ لقد ائتدموا فرجع رضي الله تعالى عنه فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله ﷺ فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاما منذ نزلنا قال: إنكما قد ائتدمتما بسلمان فنزلت ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً﴾.
بـل دعـا الإسـلام إلـى حسـن الظـن بالآخريـن عند سـماع مـا يقدح فيهـم، قـال تعالـى: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ [النـور:.]12
قـال الله تعالـى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحـزاب:.]58
قـد يكـون الإيـذاءُ الصـادر منـك في حـق النـاس حسـيًّا كالظلـم أو شـهادة الـزور، أو أكل أموالهـم بالباطـل، وقـد يكـون معنويًّـا كالتنمـر والاسـتهزاء، وتقليـل الاحتـرام، وكل مـن النوعيـن حرام شـرعا.
قـال العلامـة عبـد الرحمـن الأخضـري المالكـي في مختصـر العبـادات: «ولا يحـل لمسـلم أن ينظـر إلـى مسـلم بنظـرة تؤذيـه» فمجـرد النظـرة المؤذيـة حـرام شـرعا.
قـال الفُضيـل بـن عيـاض: «لا يحـل لـك أن تـؤذي كلبًـا أو خنزيـرًا بغيـر حـق، فكيـف بإيـذاء المؤمنيـن والمؤمنـات.» [تفسـير الزمخشـري.]
قال رسول الله ﷺ: «الـمُسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِه ويدِه» [متفق عليه.]
خطبة الجمعة القادمة
وعـن عَبْـد الِله بْـنَ عَمْـرٍو رضي الله عنه، سَـمِعْتُ رَسُـولَ الِله ﷺ يَقُـولُ: «الْمُسْـلِمُ مَـنْ سَـلِمَ النَّـاسُ مِـنْ لِسَـانِهِ وَيَـدِهِ، وَالْمُهَاجِـرُ مَـنْ هَجَـرَ مَـا نَهَـى الله عَنْـهُ» رواه أحمد.
قـال العلامـة الدكتـور موسـى شـاهين لاشـين: «خيـر المسـلمين هو الذي يمسـك لسـانه عن طعـن الناس، ويحفـظ مـا بيـن فكَّيـه عـن الإسـاءة للمسـلمين بالقـول أو بالإشـارة، وهو الذي يمسـك يـده وجميـع جوارحه، ويحبـس شـرورها وأذاهـا، فـلا يمـد يـده لحق الغير، ولا تمشـي رجلـه للإضرار بأحـد، ولا يتحرك فكـره وقلبه للإيقـاع أو الظلـم أو الإيلام.
المسـلم الكامـل هـو الـذي يسـلم النـاس مـن شـروره وأذاه، والمؤمـن الكامـل هـو الـذي يأمنه النـاس على دمائهـم وأموالهـم وأعراضهـم.» [فتـح المنعـم شـرح صحيح مسـلم.]
وعـن أَبـي سَـعيدٍ الخُـدْرِيِّ رضي الله عنه، عـن النَّبـيّ ﷺ قَـالَ: «إِذَا أَصْبـح ابْـنُ آدَمَ، فَـإنَّ الأعْضَـاءَ كُلَّهَا تُكَفِّـرُ اللِّسـانَ، تَقُـولُ: اتِّـقِ الله فينَـا، فَإنَّمـا نحـنُ بِـكَ، فَـإنِ اسْـتَقَمْتَ اسَـتقَمْنا، وإنِ اعْوججـت اعْوَججْنَـا» [رواه الترمذي.]
وعَـنْ مُعَـاذِ بْـنِ جَبَـلٍ رضي الله عنه، عـن النَّبِـيِّ ﷺ أنـه قـال: «ألا أُخبِرُك بِرأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذِروَةِ سَنامِه؟ قلت: بلَى، يا رسولَ اللهِ، قال: رأسُ الأمرِ الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ، وذِروةُ سَنامِهِ الجِهادُ، ثمَّ قال: ألا أخبرُك بمِلاكِ ذلِك كلِّه؟ قلتُ: بلَى، يا نبيَّ اللهِ، فأخذَ بلسانِهِ، وقال: كُفَّ عليكَ هذا، فقُلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إِنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكلَّمُ بِه؟ قال: ثَكلتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهل يَكبُّ النَّاسَ في النَّارِعلَى وجوهِهِم، أوعلَى مناخرِهم، إلَّا حصائدُ ألسنتِهم». [رواه الترمـذي.
وقـال سـيدنا عبـدُ الله بـن مسـعود رضي الله عنه «وَالَّـذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الَْأرْضِ شَـيْءٌ أَحْـوَجُ إلَى طُولِ سِـجْنٍ مِـنْ لِسَـانٍ مَـعَ صِغَـرِ حَجْمِـهِ، لِكِبَـرِ جُرْمِـهِ وَكَثْـرَةِ جِنَايَتِـهِ وَصُعُوبَـةِ حِفْظِـهِ» لـذا كان يقـول: «يا لسـان قل خيـرًا تنعم، واسـكت عن شـرٍ تسـلم، قبـل أن تندم.» وقال سيدنا علي رضي الله عنه «من لانت كلمته، وجبت محبته.»
قـال الــمُزَني: سـمعني الشـافعي يومًـا وأنـا أقول: «فـلان كذاب، فقـال: يا إبراهيـم، اُكْسُ ألفاظك أحسـنها! لا تقـل: فـلان كـذاب، ولكن قـل: حديثه ليس بشـيء.»
خطبة الجمعة القادمة
وقـد مـرّ يهـودي – يجـر وراءه كلبًـا – بإبراهيـمَ بـنِ أدهـم فـأراد أن يَسـتفِزَّه فقـال لـه: يـا إبراهيـم أَلِحْيتـك أطهـر مـن ذَنَـب هـذا الكلـب أم ذنَبُـه أطهر منها؟ فـرد عليه إبراهيـم بهدوء المؤمـن وأدبه وقوة حجتـه: إن كانت لِحْيتـي في الجنـة فهـي أطهـرُ مـن ذَنَب كلبك، وإن كانـت في النار لَذَنب كلبـك أطهرُ منها، فمـا كان من اليهودي إلا أن قـال: ديـنٌ يأمـر بهـذه الأخـلاق حريّ بـي أن أتّبعـه، ونطق الشـهادتين.
وقـال يحيـى بـن معـاذ الـرازي: «ليكـن حظُّ المؤمـن منك ثلاثـة: إنْ لم تنفعْه فـلا تضرَّه، وإنْ لـم تُفرحْه فلا تَغُمَّـه، وإنْ لـم تمدحْه فلا تَذُمَّه» [الرسـالة القشـيرية.]
وكتـب رجـل إلـى ابـن عمـر رضي الله عنه أنِ اكتـب إلـيَّ بالعلـم كلـه، فكتـب إليـه: «إِنَّ العِلـمَ كَثِيْـرٌ، وَلَكِـنْ إِنِ اسْـتَطَعْتَ أَنْ تَلقَى الَله خَفِيفَ الظَّهْرِ مِنْ دِمَاءِ النَّاسِ، خَمِيْصَ البَطنِ مِنْ أَمْوَالِهِم، كَافَّ اللِّسَـانِ عَنْ أَعْرَاضِهِم، لَازمـا لَأمـرِ جَمَاعَتِهِـم، فَافعَلْ» [كنـز العمال.]
إن أذى النـاس ديـون تـؤدى لا محالـة، فعَـنْ عَائِشَـةَ رضي الله عنها، قَالَـتْ: قال رسول الله ﷺ: الدَّواوينُ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ ثَلاثةٌ: ديوانٌ لا يَعْبأُ اللهُ به شَيئًا، وديوانٌ لا يَترُكُ اللهُ منه شَيئًا، وديوانٌ لا يَغفِرُه اللهُ، … وأمَّا الديوانُ الذي لا يَترُكُ اللهُ منه شَيئًا: فظُلمُ العِبادِ بَعْضِهم بَعْضًا، القِصاصُ لا مَحالةَ.» [مسـند أحمد.]
احترام خصوصية الآخرين
قـال تعالـى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ النور: 58.
إن احتـرام خصوصيـة الآخريـن واجـب دينـي حـث عليـه القـرآن الكريـم، وأرشـد إليـه النبـي الكريـم صلي الله عليه وسلم، قـال تعالـى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجـرات: ]12، والتجسـس هـو البحـث بوسـيلة خفيـة عـن المتجسـس عليـه، ووجـه النهـي عنـه أنـه ضـرب مـن الكيـد والتطلـع علـى العـورات.

